ميرزا محمد حسن الآشتياني
100
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
من حيث كونه أقرب إلى الواقع من الشكّ والوهم على ما أسمعناك في محلّه فالأمر بسلوكه من العقل والشرع من حيث الإرشاد وإدراك الواقع ليس إلا والظن بالضرر الدنيوي إنما حكم باعتباره من حيث جريان شبه دليل الانسداد فيه على ما اعترف به شيخنا قدس سره في الجزء الأول من الكتاب فلا معنى للحكم باستحقاق العقاب على مخالفته من حيث هي ( نعم ) لو قيل باعتباره شرعا لا من حيث حكم العقل به أمكن القول بذلك مع الإغماض عما ذكرنا أولا كما أنه لو قيل بأن الإقدام على مظنون الضرر حرام شرعا واقعا لا ظاهرا كما ربما استفيد من الآية الشريفة ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة تعين الحكم باستحقاق العقاب على مخالفته فإنه يخرج عن الطريقية حينئذ لكنك قد عرفت ما فيه في الجزء الأول من التعليقة مع أنه خروج عن الفرض وما أفاده شيخنا في بيان الفرق والقول بأن غرضه الحكم باستحقاق العقوبة على مخالفة الطريق عند مصادفته للواقع لا مطلقا كما ترى فإن هذا المعنى ثابت في مخالفة الأحكام الإرشادية مطلقا من غير اختصاص بمخالفة الطرق المعتبرة كما أسمعناك القول فيه عن قريب فإنه لولا العقاب عند مخالفة الحكم الإرشادي فيما صادف الواقع كان جعله لغوا بل ربما كان خلاف فرض الإرشاد إلى التخلّص عن العقاب فيما كان الطلب لأجله كما هو ظاهر [ في جواز الرّجوع إلى أصالة الإباحة عند الشكّ في الضّرر الدنيوي ] ( قوله ) نعم لو شكّ في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الإباحة إلى آخره ( 1 ) ( أقول ) الوجه فيه كون الشكّ فيه مع كونه من المحرّمات الشرعيّة الواقعيّة كالشكّ في موضوع سائر المحرّمات الشرعيّة في الخارج الذي اتفقوا فيه على الرجوع إلى أصالة الحليّة والبراءة وهذا بخلاف القطع أو الظن به فإنه وإن جاز إذن الشارع في الإقدام معهما مع التدارك والجر بخلاف الضرر الأخروي فإنه لا يجامعه إذن الشارع ولا يعقل التدارك بالنسبة إليه فكلما ورد الإذن من الشارع كشف عن عدم الضرر الأخروي على ما عرفت الفرق بينهما مرارا إلا أنّ أدلّة الحليّة والبراءة مورودة ومحكومة بالنسبة إليهما فلا يمكن استفادة الإذن منها مع القطع والظن حتى يحكم بكشفه عن التدارك بل لا بدّ في موردهما من قيام دليل خاصّ على الإذن كما هو الشأن فيما تعلّق بسائر الموضوعات المحرّمة مع فرض اعتبار الظن وهذا الفرق إنما نشأ من عدم إمكان طريقية الشكّ ذاتا فلا يمكن أن يمنع من الرجوع إلى الأصول ولو تعلق بالضرر ( نعم ) لو فرض هناك تعلّق حكم واقعا بالشكّ في الضرر أو بعنوان صادق عليه قطعا ومنطبق معه جزما لم يكن معنى للرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى هذا الحكم الخاص وإن جاز في مورده الرجوع إلى الأصل بالنسبة إلى الحكم المترتّب على موضوع الضرر واقعا وهذا كما في مسألة التيمم والإفطار فإنه ذهب غير واحد إلى تعلّق الحكم في المسألتين في مرحلة الواقع بخوف الضرر عن استعمال الماء والصوم فيحكم على هذا القول بعدم جواز الوضوء والغسل مع الشك في الضرر وكذا بعدم جواز الصوم لا من جهة حرمة استعمال الماء بل من جهة عدم الأمر فيحكم بجواز استعمال الماء وعدم جواز الوضوء والغسل من جهة عدم الأمر فيحكم بوجوب تطهير بدنه عن البحث للصلاة بل للتيمّم أيضا فيما كان في موضعه وعدم صحّة الوضوء والغسل كما أنه بجواز الإمساك مع الشك في إضراره بل بوجوبه لو نذره مع فرض رجحانه وعدم جواز الصوم له وهذا من جهة لزوم إسراء حكم كل موضوع في موضوعه وتبعيّة الأحكام لموضوعاتها وإن جاء منه التفكيك والاختلاف ( فإن قلت ) ما ذكرته إنما يستقيم على القول بعدم حكومة العقل في الشك في الضرر الدنيوي وأما على القول بحكومته فيه وحكمه بوجوب دفعه كما يستفاد من مواضع من كلمات شيخنا الأستاذ العلامة فيما تقدم منه من أول الكتاب إلى هنا على ما هو المسلّم عندهم في باب الشك في الضرر الأخروي على ما عرفت الكلام فيه مرارا فلا يستقيم أصلا فإنه بعد حكم العقل بوجوب دفعه تحقق هناك بيان عقلي رافع لموضوع أدلّة الحليّة والبراءة فيصير حال الشك حال الظن بالضرر مع أنه في مقام الفرق بينهما كما هو صريح كلامه ومبناه في المقام ( قلت ) بعد تسليم استقلال العقل في الشك في الضرر الدنيوي كالشك في الضرر الأخروي وعدم المنع عنه كما ربما يستظهر ممّا أفاده في المقام ومقتضى صريح كلامه في بعض المقامات أن حكمه في باب الضرر كليّة من باب الإرشاد وعدم الوقوع في الضرر على ما عرفت سابقا مقيد بعدم التدارك من جانب الشارع ولما لم يعقل التدارك في الضرر الأخروي حكم في مورد احتماله مع إذن الشارع فيه بعدم الضرر أصلا ومن هنا حكمنا بورود قاعدة القبح على قاعدة وجوب دفع الضرر الأخروي فيما تقدّم من كلماتنا وكذا بالنسبة إلى الأدلّة النقليّة للبراءة وأما الضرر الدنيوي فلمّا أمكن التدارك بالنسبة إليه ولم يكن هناك طريق بالنسبة إليه مع الشك كما هو المفروض وإن حكم العقل فيه من باب الإرشاد مقيّدا بعدم التدارك فلا يكون مانع من الرجوع إلى الأصل المثبت للتدارك فهو رافع في الحقيقة لقيد الموضوع فلو استند منع جريانه إلى حكم العقل في العنوان التقييدي لزم الدور الظاهر كما هو ظاهر هذا وقد تقدّم شطر من الكلام فيما يتعلّق بالمقام في هذا الجزء والجزء الأوّل من التعليقة فراجع إليه [ في الأعراض المتوجّه على التحقيق المذكور والجواب عنه ] ( قوله ) قلت حكمهم باستحقاق العقاب على ترك الشكر إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) لما بنى في هذا الأمر على كون وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة وجوبا إرشاديّا لا يترتّب على مخالفته من حيث مخالفة العقاب توجّه عليه السؤال في بادي النظر بكونه خلاف ما اتفقت عليه كلمة العدلية في استدلالهم على وجوب المعرفة باستقلال العقل بوجوب شكر المنعم المتوقف على معرفته من حيث إن ترك الشكر في معرض الضرر وسلب النعمة وقد جعلوا ثمرة حكومة العقل بذلك استحقاق العقوبة على ترك الشكر المفضي إلى ترك المعرفة مع أن حكم العقل بوجوب الشكر نظير حكمه بوجوب الاجتناب عن بعض أطراف الشبهة في مفروض البحث فيكشف ذلك عن ثبوت الاستحقاق على مخالفته من حيث هي فأجاب عنه بقوله المذكور من حيث إن البحث في ثبوت الاستحقاق والعدم على مجرّد مخالفته حكم العقل الإرشادي مع قطع النظر عن ثبوت الواقع في مورده لا على مخالفة الواقع فيما صادفته الحكم العقلي الإرشادي فإنه غير منكر في المقام ولم يتوهم أحد منعه لما قد عرفت من ترتب آثار الواقع على مخالفة الحكم العقلي الإرشادي جدّا وإلا كان لغوا فكونه بيانا بالنسبة إلى الواقع المحتمل